الشيخ محمد رشيد رضا
29
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقال ( إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) ويقابل الامن من مكر اللّه ضده وهو اليأس من رحمة اللّه . فكل منهما مفسدة تتبعها مفاسد كثيرة * * * أَ وَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ يقال هداه السبيل أو الشيء وهداه له وهداه اليه - إذا دله عليه وبينه له ، وأهل الغور من العرب كانوا يقولون هدى له الشيء بمعنى بينه له نقله في ( لسان العرب ) وذكر انه قد فسر به ما في الآية وأمثالها . وهذا التعبير ورد في سياق النفي والاستفهام . ومثله في سورة طه ( 20 : 120 أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ) وفي سورة ( ألم - السجدة ) ( 32 : 26 أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ ؟ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَ فَلا يَسْمَعُونَ ) والسياق الذي وردت فيه آية الأعراف التي نفسرها مثل السياق الذي وردت فيه آيتا طه والسجدة . والاستفهام هنا داخل على فعل محذوف عطف عليه ما بعده كما سبق في نظائره وللتقدير وجوه كلها تفيد العبرة فهو مما تذهب النفس فيه مذاهب من أقربها أن يقال : أكان مجهولا ما ذكر آنفا عن أهل القرى وسنة اللّه تعالى فيهم ولم يبين للذين يرثون الأرض من بعد أهلها قربا بعد قرن وجيلا في اثر جيل - أو ولم يتبين لهم به - ان شأننا فيهم كشأننا فيمن سبقهم وهو انهم خاضعون لمشيئتنا فلو نشاء أن نصيبهم ونعذبهم بسبب ذنوبهم أصبناهم كما أصبنا أمثالهم من قبلهم بمثلها . وقوله تعالى وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ معطوف على « أصبناهم » لأنه بمعنى نصيبهم إذ الكلام في الذين يرثون لأرض في العصر الحال أو المستقبل على الاطلاق وليس في قوم معينين طبع اللّه على قلوبهم بالفعل كما ظن الزمخشري وغيره فمنعوا هذا العطف وقالوا المعنى : ونحن نطبع على قلوبهم . والمراد أنه ينبغي لمن يستخلفهم اللّه في الأرض ، ويرثون ما كان لمن قبلهم من الملك والملك ، ان يتقوا اللّه ولا يكونوا من المفسدين الظالمين ، ولا من المترفين الفاسقين ، وان يعلموا أن من المحتم عقاب الأمم على السيئات ، وقد خلت من قبلهم المثلات ، فلم يكن ماحل بمن قبلهم من المصادفات ، بل هو من السنن المطردة بالمشيئة والاختيار ، فلا هوادة فيه ولا ظلم ولا محاباة . والناس في ذلك فريقان . فريق يصاب بذنبه ، فيتعظ ويتوب إلى ربه ، وفريق بصر